المقالات

حجة الوداع

فضيلة الشيخ /  سامح قنديل


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

كانت الھزيمة التي منیت بھا الروم في شمال جزيرة العرب، حیث فروا أمام جحافل المسلمین يوم تبوك، انكساراً لجدار التحدي الصلیبي المعلن لدولة الإسلامیة، ولم يستطع الصلیبیون ولا حلفاؤھم من نصارى العرب أن يتحركوا، أو يقوموا بعمل عسكري، لاسیما وقد أقام النبي صلى الله علیه وسلم بمحالفاته ومصالحاته مع القبائل العربیة النصرانیة في الشمال جداراً يصد العدوان ويكبته.

 

 وفي رمضان من السنة التاسعة وبعد عودة النبي صلى الله علیه وسلم من تبوك، قدم علیه وفد ثقیف مسلمین، وقد فرح النبي صلى الله علیه وسلم بإسلامھم، وكان قد دعا الله أن يھديھم يوم أن فك حصاره عنھم، وھاھم الیوم يأتون مسلمین طائعین، إن وفد ثقیف ھم أھل الطائف الذين لقي النبي صلى الله علیه وسلم أشد الإيذاء منھم يوم أن سعى إلیھم على قدمیه، وعرض علیھم الإسلام ورغب أن يحسنوا استقباله، فما كان منھم إلا أن ردوا علیه أسوأ الرد، وطردوه وأبعدوه، بل أغروا به صبیانھم وسفھاءھم يتبعونه بالحجارة حتى أدموا قدمیه الشريفتین، وھو يدعوھم إلى الله وطالما أرادوا به الكید، وشفوا بإيذائه غلیل أحقادھم علیه، ولكنه لم يُرِدْ لھم إلا نعمة الإسلام، والھداية إلى الإيمان .

 

وبإسلام ثقیف، ومن قبلھا قريش، تتابعت وفود العرب في الدخول في دين الله أفواجا، وبادروا إلى الإسلام طائعین، حتى سمیت السنة التاسعة بعام الوفود، وقد عد أھل السیر ما يزيد على ستین وفداً قدموا على النبي صلى الله علیه وسلم، وفي ھذه السنة ساد الإسلام الجزيرة العربیة كلھا، وتوحدت تحت رايته لأول مرة في تاريخھا.

 

وقد تمكن رسول الله صلى الله علیه وسلم من تحقیق ھذه الوحدة في أقل من عشر سنوات، رغم ما واجھه من صعوبات، تمثلت في العصبیات الجاھلیة والنزعات القبلیة وأخذ رسول الله صلى الله علیه وسلم يبعث رسله وسفراءه يعلمون الناس أحكام الإسلام ويشرحون لھم حقیقة الإيمان، كما أرسل معاذاً وأبا موسى إلى الیمن، وأرسل خالد بن الولید ثم علیاً إلى الیمن كذلك.

 

 وفي وصايا الرسول صلى الله علیه وسلم الدعوية إلى كل من ھؤلاء الأخیار ما يؤكد أن مسؤولیة الإسلام في أعناق المسلمین في كل عصر وفي كل مكان، حَمَّلھم رسول الله صلى الله علیه وسلم ھذه الأمانة وأمرھم أن يُحمِّلوھا مَن بعدھم.

 

 وفي ذي الحجة من السنة التاسعة أمَّر رسول الله صلى الله علیه وسلم أبا بكر على الحج، فلما خرج الناس من المدينة نزلت سورة براءة، التي أمر الله فیھا بمفاصلة الوثنیة وأتباعھا، ومنع حج المشركین بعد ھذا الموسم، وإعلان الحرب علیھم، فبعث النبي صلى الله علیه وسلم علیاً يبلغ أحكام ھذه السورة في الموسم وقال: "لا يبلغ عني إلا رجل من أھل بیتي" تمشیاً مع عادة العرب في عھود الدماء والأموال، وأمره أن ينبذ إلى كل ذي عھد عھده، ويعھد إلیھم ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبیت عريان، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، نعم لقد آن الأوان لمفاصلة عباد الأصنام، ووضع حد لعنادھم وتجاھلھم لدعوة الحق:  {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِینَ وَرَسُولُهُ } [التوبة3] .

 

وكأن ھاتفاً خفیاً في قلب رسول الله صلى الله علیه وسلم يشعره أن مقامه في الدنیا يوشك على النھاية، فإنه بعد أن عَلَّم معاذا كیف يدعو الناس، وكیف يعرفھم دينھم، خرج يودعه ويوصیه، وذلك في السنة العاشرة  ثم قال له: "يا معاذ! إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي ھذا! ولعلك تمر بمسجدي ھذا وقبري"، فبكي معاذ خشیة لفراق رسول الله صلى الله علیه وسلم، ثم التفت النبي صلى الله علیه وسلم إلى المدينة وقال: "إن أولى الناس بي المتقون، من كانوا وحیث كانوا".

 

 وفي السنة العاشرة أعلن رسول الله صلى الله علیه وسلم نیته بالحج، وأشعر الناس بذلك حتى يصحبه من شاء من المسلمین، فقدم المدينة بَشَرٌ كثیر، كلھم يلتمس أن يأتمَّ برسول الله صلى الله علیه وسلم، وخرج من المدينة لخمس لیال بقین من ذي القعدة في السنة العاشرة، قال جابر رضي الله عنه: فلما استوت به ناقته في البیداء، نظرت مد البصر بین يدي رسول الله صلى الله علیه وسلم من راكب وماش، وعن يمینه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله صلى الله علیه وسلم بین أظھرنا وعلیه ينزل القرآن، ونظر رسول الله صلى الله علیه وسلم إلى تلك الألوف المؤلفة التي صار يصعب تقديرھا وھي تلبى وتتسابق إلى طاعة الله، فشرح صدره انقیادھا للحق، واھتداؤھا إلى الإسلام، وعزم أن ينتھز ھذا التجمع الكريم، ولیقول كلمات ھي آخر ما ألقت الجاھلیة من مخلفات في النفوس، وتؤكد ما يحرص الإسلام على غرسه في القلوب من توجھات وآداب وأحكام.

 

 فراح يلقى خطبة الوداع، يلمح فیھا بالرحیل: "أيھا الناس: اسمعوا لي فإني لا أدري لعلى لا ألقاكم بعد عامي ھذا بھذا الموقف أبدا، أيھا الناس: إن دمائكم وأموالكم حرام علیكم، كحرمة يومكم ھذا في شھركم ھذا، في بلدكم ھذا، وإنكم ستلقون ربكم فیسألكم عن أعمالكم، ألا إن كل شيء من أمر الجاھلیة تحت قدمي ھاتین موضوع، ودماء الجاھلیة موضوعة، وربا الجاھلیة موضوع، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموھن بأمانة الله، واستحللتم فروجھن بكلمة الله، ولكم علیھن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرھون، فإن فعلن ذلك فاضربوھن ضربا غیر مبرح، ولھن علیكم رزقھن وكسوتھن بالمعروف، وأني قد تركت فیكم ما لن تضلوا بعدُ إن اعتصمتم به؛ كتاب الله! وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشھد أنك قد بلغت رسالات ربك وأديت، ونصحت لأمتك وقضیت الذي علیك بالمعروف، فقال بأصبعه السبابة يرفعھا إلى السماء وينكتھا إلى الناس: "اللھم اشھد، اللھم اشھد".

 

 وقد ألقى في ھذه الخطبة خطباً أخرى جاء فیھا: "أيھا الناس إن الشیطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ھذه ! ولكنه رضي أن يطاع فیما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروا، أيھا الناس: إني قد تركت فیكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً: كتاب الله وسنة نبیه، إن كل مسلم أخو المسلم، المسلمون إخوة، ولا يحل لامرئ من مال أخیه إلا ما أعطاه من طیب نفس".

 

وفي بعض خطبة تلك الحجة أيضاً قال: "ويلكم أو ويحكم انظروا، لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" وأخذ رسول الله صلى الله علیه وسلم يحذر ويأمر ويوصي ويقرر، ويعظ ويؤصل، وكأنه يريد  بعد بلاء طويل في إبلاغ الرسالة، أن يفرغ في آذان الناس وقلوبھم آخر ما لديه من نصح، فقد كان يحس أن ھذا الركب سینطلق وحده في بیداء الحیاة، فھو يصرخ به كما يصرخ الوالد بابنه الذي انطلق به القطار، يوصیه بالرشد، ويذكره بما ينفعه أبدا لقد أجیبت دعوة أبي الأنبیاء إبراھیم حین ھتف وھو يبني البیت العتیق: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِیھِمْ رَسُولاً مِنْھُمْ يَتْلُو عَلَیْھِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُھُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّیھِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِیمُ} [البقرة 129].

 

  ولما لم يبق من دعائم الإسلام وقواعده شيء إلا وقد بینه، أنزل الله علیه في يوم عرفة : {الْیَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَیْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِیتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} [المائدة3]، ولما سمعھا عمر رضي الله عنه بكى فقیل له: لم بكیت؟ قال: إنه لیس بعد الكمال إلا النقصان! وكأنه استشعر وفاة النبي صلى الله علیه وسلم.

 

  والحق إن مشاعر التوديع للحیاة والأحیاء كانت تنضح بھا عبارات النبي صلى الله علیه وسلم، ومن ذلك قوله عند جمرة العقبة: "خذوا عني مناسككم فإني لا أدري ! لعلي لا أحج بعد عامي ھذا"، ولما قضى نسكه عاد إلى المدينة لیستأنف حیاة الكفاح.

 

 وأمر بتجھیز جیش إلى الشام لقتال الروم الصلیبین، وأَمَّرَ على ھذا الجیش أسامة بن زيد، وكان فتى في الثامنة عشرة من عمره، وفي الجیش أبو بكر وعمر، لكن تأخر خروج أسامة بعد أن عقد له النبي صلى الله علیه وسلم اللواء بیده بسبب مرض النبي صلى الله علیه وسلم الذي جعلھم يتريثون حتى يروا ما قضى الله به لرسوله صلى الله علیه وسلم.

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 5+5=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع