المقالات

مكاتبة الملوك

فضيلة الشيخ /  سامح قنديل


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

ما من شك في أن صلح الحديبیة كان كسباً سیاسیاً عظیماً للمسلمین، إذ أن دخول قريش في عھد جديد مع المسلمین يمثل اعترافاً منھا بالدين الجديد ودولته الفتیة، بل لقد خسرت قريش زعامتھا الوثنیة، إذ كان من بنود المعاھدة أن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعھده دخل فیه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعھدھا دخل فیه، مما أتاح الفرصة لكثیر من قبائل العرب أن تكون في حل من الإنتماء لزعامة قريش، والإرتباط بمصیرھا، ومن ثم سارغت خزاعة بالإنضمام للمسلمین، ثم تتابعت بعدھا غیرھا من قبائل العرب إما رغبة وإما رھبة، مما أضعف مركز قريش السیاسي والحربي معاً !.

 

لقد كان من ثمرات ھذا الصلح  الذي سماه الله فتحاً أن أتاح للمسلمین الفرصة لتوسیع نطاق الدعوة إلى الإسلام، داخل الجزيرة العربیة وخارجھا مما يؤكد عالمیة ھذه الدعوة، وأن رسولھا مبعوث إلى الناس كافة لا إلى قوم بأعیانھم، وأن رسالته عامة لكل زمان ومكان، لیس لھا اختصاص بعنصرية أو قبلیة او قومیة معینة.

 

 وقد كانت الآيات المكیة الأولى، التي نزلت على رسول الله صلى الله علیه وسلم يوم أن كان المسلمون قلة مستضعفین في مكة تؤكد نفس المعنى {إِنْ ھُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِینَ (27) لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِیمَ (28)} [التكوير ]، {قُلْ يَا أَيُّھَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَیْكُمْ جَمِیعاً} [الأعراف 158]، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِین} [الأنبیاء -107].

 

 لذلك سارع النبي صلى الله علیه وسلم بمجرد رجوع المسلمین من الحديبیة إلى مكاتبة ملوك الأرض ورؤسائھا وزعمائھا على اختلاف دياناتھم وتنوع انتماءاتھم، يدعوھم إلى الإسلام وقد كان النبي صلى الله علیه وسلم قادراً على إرسال الرسل إلى ھؤلاء الملوك والرؤساء قبل ھذا التاريخ بكثیر، خاصة وھو يعلم منذ بعث أنه مرسل إلى الناس كافة، وأن ھذا الدين سیبلغ ما بلغ اللیل والنھار من أرجاء المعمورة، غیر أن حكمته الدعوية وبصیرته التربوية، جعلته يتريث حتى يحكم تربیة الجیل القدوة، الذي تأصل فیه المنھج الرباني فأصبح قادراً على تنفیذ أصعب المھمات في أحلك اللحظات.

 

كما كان من الحكمة أيضاً التريث حتى تضعف شوكة الوثنیة متمثلة في زعامتھا القرشیة، وتنكسر أجنحة المكر الداخلیة متمثلة في الیھود والمنافقین، فإذا أضیف إلى ھذا استغلال الأجواء السلیمة التي أتاحتھا معاھدة الصلح ظھر أن توقیت النبي صلى الله علیه وسلم الذي اختاره الله له لمكاتبة ملوك ورؤساء الدنیا كان في غاية الحكمة، وكأنه يعلمنا درساً في ترتیب الأولويات.

 

وبدأ رسول الله صلى الله علیه وسلم يرسل رسله إلى بلاد الدنیا بدعوة الإسلام، روى مسلم من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله علیه وسلم كتب إلى كسرى وقیصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوھم إلى الله عز وجل.

 

إن توسیع میدان الدعوة بحیث تشمل المعروف المعمور من أرض الله يومئذ أمر يثیر التأمل، لقد كان العرب يستكثرون النبوة على واحد منھم، ويوسعونه جحوداً وكنوداً {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا ھُزُواً أَھَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً} [الفرقان -41]، فما يكون شأن الروم والعجم؟ وھم يرون العرب دونھم منزلة وحضارة وثقافة وسیاسة، ألا يكونون أسرع إلى السخرية وأدنى إلى الكفران؟ بید أن أصحاب الرسالات لا ينظرون إلى الأمور على ضوء الحاضر الضیق المنكور، فإن ثقتھم العمیقة في سیادة شريعتھم وامتداد نطاقھا، تصغر العقبات المفروضة في الطريق، وتجعلھا ولو كانت الشمُّ الرواسي  ھباء منثوراً.

 

وقد ثبت أن النبي صلى الله علیه وسلم لما أراد أن يكتب إلى الروم قیل له:  إنھم لن يقرؤوا كتابك إذا لم يكن مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة ونقشه (محمد رسول الله )، مما يدل على مرونة السیاسة الإسلامیة في الإفادة من الوسائل والرسوم المعاصرة مادامت لا تتعارض مع أحكام الشريعة وروحھا العامة.

 

كما حرص النبي صلى الله علیه وسلم على اختیار سفراءه من أعقل أصحابه، وأجملھم صورة وأحسنھم حديثاً، وأطبقھم لساناً وقوة وحجة، وأسرعھم بديھة، حتى يكون لكلامھم أجمل وقع، ويبلغوا رسالتھم على أحسن وجه، وكان مع ھذا يوصیھم بما يمھد لھم الوصول إلى قلوب الناس والتأثیر في نفوسھم كما قال لمعاذ وأبي موسى لما بعثھما إلى الیمن: "ادعوا الناس وبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا".

 

ومن أمثلة كتابات النبي صلى الله علیه وسلم إلى الملوك ما كتبه إلى ھرقل قیصر الروم، وأرسل به دحیة بن خلیفة الكلبى رضي الله عنه ونص كتابه كما في الصحیحین: "بسم الله الرحمن الرحیم ، من محمد بن عبد الله ورسوله، إلى ھرقل عظیم الروم، سلام على من اتبع الھدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، ويؤتك الله أجرك مرتین، فإن تولیت فعلیك إثم الأريسیین {قُلْ يَا أَھْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَیْنَنَا وَبَیْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَیْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْھَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }] آل عمران -64[".

 

 وعندما قرأ قیصر كتاب النبي صلى الله علیه وسلم بحث عمن يعرفه من قومه فجئ إلیه بأبي سفیان الذي اتفق خروجه في تجارة إلى الشام مع رجال من قريش، وكان على كفره، فحاوره ھرقل كما في حديث الصحیحین الطويل، واستنتج من محاورته أن محمداً صلى الله علیه وسلم نبي، وقال لأبي سفیان: فإن كان ما تقول حقاً فسیملك موقع قدمي ھاتین، وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم، فلو أعلم أني أخلص إلیه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمیه! إلا أنه شح بالملك وطلب الرئاسة، وآثرھما على الإسلام، فلم يرد الله به خیراً.

 

 وما أكثر ما صدت الرئاسة والملك عن سبیل الله، كما أشار البخاري إلى إرسال كتاب النبي صلى الله علیه وسلم إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السھمي، وقد مزق كسرى كتاب رسول الله صلى الله علیه وسلم فدعا علیه صلى الله علیه وسلم أن يمزق الله ملكه، فقتله ابنه واستولى على عرشه، وتمزقت الإمبراطورية الفارسیة ثم زالت من الوجود.

 

وكما أرسل النبي صلى الله علیه وسلم سفراءه إلى عظیم الفرس والروم، أرسل كذلك إلى نجاشي الحبشة ومقوقس مصر وإلى عظماء البحرين وعمان والیمن والیمامة وغیرھم كثیر ممن كاتبه النبي صلى الله علیه وسلم وعرض علیه دعوة الإسلام، فمنھم من قبلھا ومنھم من توقف ورد رداً جمیلاً، وشذ بعضھم وبالغ في حماقته ككسرى الذي عاجله الله بزوال ملكه لما مزق رسالة رسول الله صلى الله علیه وسلم.

 

وقد كانت رسائل رسول الله صلى الله علیه وسلم كلھا تأكیداً لمعنى التوحید وإبرازا لشھادة لا إله إلا الله، في عصر طغت فیه الربوبیات الزائفة، واتخذ الناس بعضھم بعضاً أرباباً من دون الله، ولم يداھن النبي صلى الله علیه وسلم في طرح ھذا الشعار أمام حكام العالم، كما لم يداھن أصحاب الوثنیة العربیة منذ اللحظة الأولى، مما يؤكد أن أصول المنھج لا تقبل المساومة ولا يجدى فیھا أنصاف الحلول، فكلمة التوحید قبل توحید الكلمة {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَیْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْھَدُواْ بِأَنَّا  مُسْلِمُونَ} [آل عمران -64[. 

 

وقد كان من أعظم مكاسب ھذه المكاتبات المختلفة والسفارات المتعددة أنھا شكلت حملة إعلامیة على النطاق الدولى تؤكد أن ھذا الدين عالمي، جاء لھداية الإنسان أينما كان، وأن جیوشه توشك أن تنتشر في مشارق الأرض ومغاربھا لتخرج الناس من عبادة العباد لعبادة رب العباد، ومن جور الحكام إلى عدل الإسلام، ومن ضیق الدنیا إلى سعة الدنیا والآخرة.

 

ولم ينسى المسلمون في غمرة تلك الانتصارات السیاسیة والدعوية المتلاحقة، موعد عمرة القضاء التي حلت في ذى القعدة من السنة السابعة كما تنص بنود الصلح المبارك، فخرج رسول الله صلى الله علیه وسلم في ألفین من أصحابه في عزة وثبات ، ومشى عبد الله بن رواحة بین يدى رسول الله صلى الله علیه وسلم وھو ينشد :

 

خـــــلوا بنــــي الكفـــــار عــــن ســــبيلِهْ ... اليـــــــوم نضــــــربكم علـــــى تنزيلِـــــهْ

ضربًــــا يـــــزيل الهـــــام عــــن مقيلِــــه ... ويــــــذهل الخــــــليل عــــــن خليلِــــــهْ

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 3+3=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع