المقالات

السلفية أصول وقواعد * قواعد المنهج السلفي *

الشيخ /  سيد علام


أبلغ عن رابط لا يعمل Print Friendly and PDF Share G+ Share Facebook

الحمد لله  وحده والصلاة  والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.

 

فإن التعرف على المنهج السلفي وقواعده ومعنى السلفية وما يتعلق بها من الأمور الواجب معرفتها على كل من ينتسب لهذا المنهج ويعمل في نطاقه, فلا يكفي مجرد الانتساب إلى السلفية حتي وإن كان المرء يوقن في قرارة نفسه بصحة ما ينتسب إليه فإن التعصب للأسماء الشريفة دون معرفة مضمونها من الأمور المذمومة.

 

والتعرف على المنهج السلفي وفهمه فهماً جيداً يعرفك بالحق ويعرفك بأهله فلا تختلط عندك الأمور.

 

ما هو المراد بالسلفية؟

السلفية نسبة إلى السلف, وكلمة السلف في اللغة بمعنى مضى وتقدم كما في قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ}[1].

 

والسلف: هم الصحابة والتابعون وتابعيهم ومن وافق الكتاب والسنة بفهمهم.

 

وليُنتبه لهذا الضابط وهو فهم السلف، فمنهجنا الرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة, فعند التعارض أو الاختلاف في فهم الأدلة لابد وأن يقدم فهم السلف؛ فقد زكاهم الله عز وجل كما قال: { فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا}[2] ورضي الله عز وجل عنهم, وهم أقرب الناس إلى نزول الوحى, وأقربهم لرسول الله –صلى الله عليه وسلم- الذى زكاهم بقوله: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم..........الحديث" [3] ولا شك أن الخيرية متحققه لهذا الجيل الفريد في كل شيء علماً وعملاً واعتقاداً وفهماً وتطبيقاً.......... إلخ.

 

فالسلفية
هي ما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين ممن شُهِدَ لهم بالإمامة في الدين, كالأئمة الأربعة والسفيانيين وابن المبارك والبخاري ومسلم وسائر أصحاب السنن وغيرهم من أهل السنة, فكل من التزم بعقائد وفقه هؤلاء الأئمة كان منسوباً إليهم وإن باعدت بينه وبينهم الأماكن والأزمان.


وكل من خالفهم فليس منهم وإن عاش بينهم واجتمع بهم في المكان والزمان .

 

وظهر هذا المصطلح (السلفية) في العصر العباسي في مقابلة (الخلف) حين انتشرت مقولة: (طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم) , والصحيح أن طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم .

 

فكان مصطلح السلفية يطلق على المتمسكين بطريقة السلف وعقائدهم , الرافضين لمنهج الخلف وطريقتهم في الاستدلال .

 

وأخطأ من ظن أن السلفية كانت رد فعل من عوام الأمة في مواجهة الفكر العقلاني لدى الفلاسفة والمتكلمين .

 

لأن السلفية كمنهج لفهم الإسلام والتزامه تمثلت في جيل الصحابة ومن تبعهم , فلهذا كانت الدعوة إلى السلفية دعوة إلى الرجوع إلى ذلك المنهج , لذا جاء في الحديث "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" .

 

واعلم أن السلفية كمصطلح مرادف لأهل السنة والجماعة , ومرادف لأهل الحديث اللذين تمسكوا بهذا المنهج في فترة من فترات التاريخ .

 

والسلفية ليست جماعة ولا حزباً بالمفهوم العصري؛  فإن الحزب لا يقوم إلا على مبادئ خاصة يلتزم بها أبناؤه، يوالون ويعادون عليها، ومن يخالف هذه المبادئ طُرِدَ من الحزب .

 

وكذا الجماعة فيها شبه من ذلك، فهي تَجَمُّعٌ ببيعة لرأس، ولها مبادئ خاصة بها .

 

فالسلفية هي المنهج الصحيح لفهم الإسلام

وهذا المنهج منهج مبارك لا يقارن بغيره, له ميزات عديدة, و قبل الكلام عنها نستعرض

 

قواعد المنهج السلفي ..

 

1-   تقديم النقل على العقل :

 

والمقصود بالنقل أي الشرع , وذلك بالرجوع إلى الكتاب والسنة، ولكن كما قلنا من قبل بفهم الصحابة , وقد قال الله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}[4].

 

وقد علم أن تقديم العقل على النقل سنة (إبليس اللعين) الذي أعرض عن النص الصريح بأمر الله تعالى له بالسجود لآدم وقابله بالرأي الفاسد القبيح .

 

كما أن الإعراض عن النصوص الشرعية سبيل المنافقين , قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا}[5].

 

والرد إلى العقل أمر غير منضبط لاختلاف العقول والأفهام, فعقل الدكتور في الجامعة ليس كعقل الطالب ليس كعقل العامل ليس كعقل الجاهل الأُمِّي, فكيف نجعل هذا العقل الذي فيه تفاوت وتباين ميزاناً وحكماً على الشرع الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}[6].

 

فمنهج السلف أنهم يبدؤون بالشرع أولاً ثم يخضعون له العقل, وقد تقرر أنه لا يتعارض نقل صحيح مع عقل صريح.

 

والشرع يأتي بمحارات العقول ولا يأتي أبدا بمحالات العقول , فينبغي إحكام العلاقة بين النقل والعقل.

 

فإذا صح النقل خضع العقل ولو لم يفهم لأنه أحيانا لا تظهر الحكمة. 

 

2-   كثرة الاستدلال بالكتاب والسنة:

لأن مسائل الدين أصولها وفروعها تؤخذ من خطاب الشرع, فالحلال والحرام وأمور الاعتقاد إنما تعرف عن طريق الوحى قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا}[7].

 

وقال تعالى: { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[8].

 

وقال  - صلى الله عليه وسلم - : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله"[9].

 

فقائد المسلم إلى كل خير وفلاح هو الكتاب والسنة, ولله در القائل:

 

ما العلم إلا قال الله قال رسوله                                    قال الصحابة ليس بالتمويه

ما العلم نصبك للخلاف سفاهة                                    بين الرسول وبين رأي فقيه

 

وصح عنه –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ألا وإنى أوتيت القرآن ومثله معه"[10].

 

ونتيجة لتمسك السلف بهذه القاعدة الأساسية نجدهم قد اعتنوا بدراسة الكتاب والسنة عناية كبيرة فائقة، تلاوة وحفظاً وفهماً وتفسيراً، حتى بلغ الشأن بهم أن يتعرفوا على حقائق الكتاب والسنة الدقيقة، ويستنبطوا منها الأحكام التفصيلية في الرد على التساؤلات المطروحة بين الناس، دون الحاجة إلى علوم المتكلمين والمناهج التي شابها التخبط والاضطراب والتقلب, بخلاف أدلة الكتاب والسنة عند أهل السنة والجماعة التي تجتمع عليها الكلمة وتنقاد لها النفوس راضية مطمئنة.

 

فائدة:


*منهج أهل السنة: استدل ثم اعتقد.

 

*منهج أهل البدع: اعتقد ثم استدل، وينبني على ذلك أن يلوي أعناق النصوص لتوافق هواه.

 

3-   رفض التأويل الكلامي:

 

معلوم أن الأصل في اللغة إجراء الخطاب على ظاهره، لذا كان من سمات المنهج السلفي في الاستدلال الأخذ بظاهر النصوص الشرعية خاصة في مسائل الاعتقاد, وظاهر النصوص هو ما يتبادر منها من المعاني بحسب استعمال العرب لها.


ولهذا يرفض السلفيون أى صرف للنصوص الشرعية عن ظاهر معانيها، خاصةً في أسماء الله عز وجل وصفاته الواردة في الكتاب والسنة، فقالوا فيها: اثباتها كما جاءت على الوجه اللائق بجلال الله وكماله بلا تشبيه ولا تمثيل وبلا تحريف ولا تعطيل أو تأويل, قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[11].

 

والسلفيون يقدمون الأدلة ثم يستنبطون منها القواعد والأصول أما أهل الأهواء فيعتقدون ثم يستدلون, كما ذكرنا قبل ذلك.

 

 ومنهج المتكلمين في تأويل النصوص بالأدلة العقلية باطل من وجوه منها:

 

- أن هذا النوع من التأويل يعد تحريفاً للنصوص.

 

- لا يجوز معارضة كلام الله عز وجل بالمصطلحات الكلامية التي هي من وضع البشر.

 

- يؤدي ذلك إلى التقليل من أدلة الكتاب والسنة فتصير كأنها غير كافية.

 

- تقديم الأدلة العقلية يؤدي إلى صرف الناس عن دراسة الكتاب والسنة، والاعتناء بالأدلة العقلية وعلوم الكلام.

 

وينبغي التنبيه على أنه ليس كل تأويل للأدلة الشرعية مذموماً على الإطلاق, فالتأويل -وهو صرف الدليل الشرعي عن ظاهره إلى معنى آخر يتحمله الدليل بدلالة دليل شرعي آخر- أنواع:-

 

أ‌- تأويل مقبول: ويكون الدليل الصارف عن المعنى الظاهري المتبادر دليل صحيح ثابت وله شروط هى: أن يكون اللفظ مستعملاً بالمعنى المجازي في اللغة, يدل عليه دليل صحيح, إذا كانت المسألة من مسائل الاعتقاد فلابد أن يكون الدليل صريحاً من الكتاب والسنة.
مثال ذلك: قوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ...}[12] فإن الله تعالى يخوف عباده بإتيان أمره المستقبل، وليس يخبرهم بأمر أتى وانقضى، بدليل قوله: {فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ}.
ومنه قوله تعالى: { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}[13]فإن ظاهر اللفظ: إذا فرغت من القراءة، والمراد: إذا أردت أن تقرأ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ إذا أراد أن يقرأ، لا إذا فرغ من القراءة.
 

 

ب‌- تأويل مردود: ويكون الدليل الصارف دليل ضعيف لا يقوى على المعارضة.

مثاله تأويل الجهمية قوله تعالى: {وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}[14]، وقوله: {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِم} ونظائره، بأنها فوقية الشرف، كقولهم: الدرهم فوق الفلس والدينار فوق الدرهم فتأمل تعطيل المتأولين حقيقة الفوقية المطلقة التي هي من خصائص الربوبية وهي المستلزمة لعظمة الرب جل جلاله، وحطها إلى كون قدره فوق قدر بني آدم وأنه أشرف منهم. 

 

ج - تأويل باطل: وفيه يكون الدليل الصارف ليس بدليل شرعي أصلاً ليعارض به الدليل الشرعي الأول.

وهذا موضع زلت فيه أقدام كثير من الناس وضلت فيه أفهامهم حيث تأولوا كثيراً من ألفاظ النصوص بما لم يُؤْلف استعمال اللفظ له في لغة العرب البتة، وإن كان معهوداً في اصطلاح المتأخرين، كتأويل قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ}[15]، بأن المعنى أقبل على خلق العرش، فإن هذا لا يعرف في لغة العرب بل ولا غيرها من الأمم أن من أقبل على الشيء يقال: قد استوى عليه، ولا لمن أقبل على عمل من الأعمال من قراءة أو كتابة أو صناعة قد استوى عليها، وعضهم يحرفها ب(استولى) وهذا تأويل باطل مذموم، وتحرف للكلم عن مواضعه؛ لأنه ليس عليه دليل صحيح.

 

4-   التمسك بفهم الصحابة للشرع خاصةً فيما اجتمعوا عليه: 

زكَّى الله عز وجل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}[16]، وزكَّى اعتقادهم كما قال: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا}[17]، ومما لا شك فيه أنهم أقرب الناس إلى الفهم الصحيح للدين ؛فقد نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم وهم معه، وتلقوا أحكام الشرع من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وكانوا يسألونه فيما يُشكِل عليهم فيجيبهم، وغير ذلك مما أهَّلهُم ليكونوا أفهم الناس لدين الإسلام.

 

وقد ذهب المتكلمون إلى تقديم طريقتهم على منهج الصحابة، ورأوا أن الصحابة لم يحيطوا بأمهات أصول الدين, وعللوا ذلك بانشغالهم بالجهاد وإرساء قواعد هذا الدين وحمايته, وهذه شبهة مردودة وهى تحمل ذم الصحابة ووصفهم بالجهل, وأنهم لم يفهموا معاني القرآن والأحاديث التي كانوا يتلقونها, وهذا لاشك ضلال عظيم من المتكلمين.

 

ولقد وصل الصحابة رضي الله عنهم إلى درجة تدل على عمق فهمهم للدين وأصوله وعقائده بدرجة عالية دون الحاجة إلى دراسة على الكلام والفلسفة, وإنما لم يتكلموا في مثل ما تكلم به الفلاسفة من مسائل, لأنها لم تُثَر في عهدهم كما أُثيرت في عهود من بعدهم, وهم كما قال القائل: عن علم وقفوا.


[1] المائدة من الآية95.

[2] البقرة من الآية 137.

[3] رواه البخاري ومسلم.

[4] النساء من الآية 59.

[5] النساء 61.

[6] فصلت 42.

[7] الأحزاب 36.

[8] النساء 65

[9] رواه مالك وغيره وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة

[10] رواه أبو داود.

[11] الشورى من الآية 11.

[12] النحل من الآية 1.

[13]  النحل 98.

[14] الأنعام:18.

[15] الأعراف: 4.

[16] التوبة 100.

[17] البقرة من الآية 137.

    لا يوجد تعليقات !!

اترك تعليقك على هذا المقال * حقل ضروري

  • 4+4=
العشاء المغرب العصر الظهر الشروق الفجر
ينصح بإستخدام متصفح كروم لمشاهدة أفضل للموقع